ابن جبير

153

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

والشمس تلفح وجوهم إلى أن سقط قرصها وتمكن وقت المغرب وقد وصل أمير الحاج مع جملة من جنده الدارعين ووقفوا بمقربة من الصخرات عند المسجد الصغير المذكور وأخذ السرو اليمنيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات المتوارثة عن جد فجد من عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا تتعدى قبيلة على منزل أخرى وصول الأمير العراقي وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قط مثله وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين واحدتهن خاتون ومن السيدات بنات الأمراء كثير ومن سائر العجم عدد لا يحصى فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الإمام المالكي لان مذهب مالك رضي الله عنه يقتضي ان لا ينفر حتى يتمكن سقوط القرصة ويحين وقت المغرب ومن السرو اليمنيين من نفر قبل ذلك فلما ان حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعا ارتحت له الأرض ورجفت الجبال فياله موقفا ما أهول مرآه وأرجى في النفوس عقباه جعلنا الله فمن خصه فيه برضاه وتغمده بنعماه انه منعم كريم حنان منان وكانت محلة هذا الأمير العراقي جميلة المنظر بهية العدة رائقة المضارب والأبنية عجيبة القباب والأروقة على هيئات لم ير أبدع منها منظرا فأعظمها مرأى مضرب الأمير وذلك أنه أحدق به سرادق كالسور من كتان كأنه حديقة بستان أو زخرفة بنيان وفي داخله القباب المضروبة وهي كلها سواد في بياض مرقشة ملونة كأنها أزاهير الرياض وقد جللت صفحات ذلك